سيد محمد طنطاوي
67
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي وهم - أي الروم - من بعد هزيمتهم من الفرس ، سينتصرون عليهم ، خلال بضع سنين . والتعبير بقوله - تعالى - : * ( سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ ) * ، لتأكيد هذا الوعد ، وبيان أن نصر الروم على فارس سيتم خلال سنوات قليلة من عمر الأمم ، وقد تحقق هذا الوعد على أكمل صورة وأتمها ، فقد انتصر الروم على الفرس نصرا عظيما ، وثبت أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - حيث أخبر عن أمور ستقع في المستقبل ، وقد وقعت كما أخبر . وقوله - سبحانه - : * ( لِلَّه الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ ) * جملة معترضة لبيان قدرة اللَّه - تعالى - التامة النافذة ، في كل وقت وآن . أي : للَّه - تعالى - وحده الأمر النافذ من قبل انتصار الفرس على الروم ، ومن بعد انتصار الروم على الفرس : وكلا الفريقين كان نصره أو هزيمته بإرادة اللَّه ومشيئته ، وليس لأحد من الخلق أن يخرج عما قدره - سبحانه - وأراده . * ( ويَوْمَئِذٍ ) * أي : ويوم أن يتغلب الروم على الفرس * ( يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّه ) * حيث نصر أهل الكتاب وهم الروم ، على من لا كتاب لهم وهم الفرس ، الذين كانوا يعبدون النار فأبطل - سبحانه - بهذا النصر شماتة المشركين في المسلمين ، وازداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم . قال ابن كثير : وقد كانت نصرة الروم على فارس ، يوم وقعة بدر ، في قول طائفة كبيرة من العلماء . . . فلما انتصرت الروم على فارس ، فرح المؤمنون بذلك ، لأن الروم أهل كتاب في الجملة ، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) * مؤكد لما قبله . أي : ينصر - سبحانه - من يريد نصره ، ويهزم من يريد هزيمته ، وهو ، العزيز الذي لا يغلبه غالب ، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء . ثم زاد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا وتقوية فقال : * ( وَعْدَ اللَّه لا يُخْلِفُ اللَّه وَعْدَه ) * . ولفظ « وعد » منصوب بفعل محذوف . أي : وعد اللَّه المؤمنين بالنصر وبالفرح وعدا مؤكدا ، وقد اقتضت سنته - سبحانه - أنه لا يخلف وعده . * ( ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) * ذلك ، لانطماس بصائرهم ، ولاستيلاء الجهل على عقولهم ، ولاستحواذ الشيطان عليهم .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 310 .